من بين أولئك الرجال الذين طبعوا حياتي: عمر بن جلون
ستبقى حياتي مطبوعة دائما من قبل أولئك الرجال الذين صنعوا التاريخ المعاصر لبلادنا، وكان لي الحظ في معرفتهم. كنت صغيرا، عندما كان أبي يحرص على مرافقته لزيارة رفاقه. و كان هؤلاء يومئذ يجتمعون في السرية، وعندما يتحدثون يرفعون من صوت المذياع للتشويش على احتمالات التصنت.
تأثرت كثيرا بهؤلاء الرجال الذين ناضلوا منذ سن مبكر من أجل الاستقلال، وتعارفوا على بعضهم أيام الحركة الوطنية، أثناء الاجتماعات السرية أو بالسجن.
وكان من بين هؤلاء الرجال عمر بن جلون الذي أثر في حياتي بشكل كبير. عرفته لأول مرة بالدار البيضاء سنة 1961، في أحد مقرات الإتحاد الوطني للقوات الشعبية، حيث سلمه أبي مقالا حول أكَادير ومشاكل منكوبين كانوا ينتظرون في ظروف قاسية الاستفادة من مسكن لم يحصل عليه بعضهم أبدا.
سأرى هؤلاء الرجال مجددا سنة 1963، عندما كنت أزور أبي بسجن القنيطرة أو الرباط. كان هؤلاء الرجال واثقين من أنفسهم رغم العذاب الذي تعرضوا له. كان عمر يعرف أنه سيحكم بالإعدام، ومع ذلك كان يرفع من معنويات أفراد العائلات التي تأتي لزيارة المعتقلين.
ووجب انتظار شهر مايو 1965 لأراه من جديد. فبعد إطلاق سراحه – حكم بالإعدام وتم العفو عنه بعد أحداث مارس 1965- التحق بمحمد البصري الذي جاء للاجتماع بأبي بمزرعة أمزو قرب أولاد تايمة، بهوارة.
ورأيته لمرات عديدة أخرى أثناء فترات الحرية تلك، وخلال اجتماعات الحزب ولقاءات الطلبة الاتحاديين.
وفي شتنبر 1974، بعد 7 سنوات من العذاب، وتتابع المحاكمات، وتوالي فترات الحرية والاعتقال، هدد الرجل بالموت حيث بعث له بطرد ملغم وكذلك لمحمد اليازغي الذي أصيب على إثر انفجاره بجروح خطيرة. ومع ذلك، وجدنا عند زيارته رجلا مخلصا و ثائرا و متحمسا و قريبا من المناضلين و ملحاحا اتجاه نفسه والآخرين، وعنيفا أحيانا اتجاه حالات الضعف والرداءة.
كنا نشعر في حضوره في القاعة برجل لا شيء يقوى على مباشرته، شخصية تفتن بقوتها المناضلين وتشدهم إليها. كان إخلاصه وشجاعته مصدر المصداقية التي كان يحظى بها من قبل رفاقه وخصومه على السواء.
كان عمر متواضعا يصغي للجميع ويتابع عن قرب مجريات الأحداث، ودائم الحضور في خضم جميع حقائق مجتمعنا. وكان في ذات الوقت نقابيا ملتزما ينصت ويصغي لنبض الفئات الشعبية المحرومة، ومثقفا من المستوى العالي.
اجتمعت هذه الخصال كلها في إنسان واحد، وهذا ما جعله يمثل بالنسبة لي الرجل النموذج.
كان يمثل في عيني الرجل الذي كان شغله الوحيد هو النضال من أجل “التحرير والديمقراطية والاشتراكية”، إذ كان يطمح بقوة إلى بناء مغرب جديد تعيش فيه الفئات الشعبية بكرامة.
ولبلوغ هذا الهدف كان لابد من أداة : إنها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية المحدث في يوم 11 يناير 1975 على إثر مؤتمر استثنائي. حزب بإيديولوجية واضحة وبرنامج دقيق، اختار نهج الديمقراطية تحت إدارة مكتب سياسي شكل أعضاؤه فريقا حول عبد الرحيم بوعبيد.
كان عمر المحرك الرئيس لهذا المؤتمر الذي حضر في ظرف ثلاثة أشهر. لقد كان قادرا على الإقناع والتعبئة من أجل ما يعتقده معقولا وعادلا.
فتحت بالنسبة للمناضلين صفحة جديدة تحت الإدارة السياسية لعبد الرحيم بوعبيد الذي كان عمر يكن له كل الاحترام. وفي هذا السياق باشر بمعية محمد اليازغي عملية إعادة هيكلة وتنظيم الحزب.
إن اغتيال عمر بن جلون في ظروف جد خسيسة كان مصابا جللا شكل ضربة قوية لعائلته وحزبه والشعب المغربي الذي كان الرجل يعمل لإسعاده. وقد عاش عبد الرحيم بوعبيد هذا الاغتيال بحسرة وألم.
بالنسبة لي، كان فقدانه صدمة، صعب علي كثيرا تجاوزها.
اخترت أن أتقاسم مع قراء وزوار موقعي على الانترنيت هذه الشهادة التي أقدمها في حق عمر بن جلون الذي أذكر دائما إسمه، لأن الرجل احتل مكانة خاصة بقلبي وفي تصوري للممارسة والعمل النضالي.


ﻔﺎﻴﺲ ﺒﻭﻚ
ﻳﻭﺘﻮﺐ
ﺗﻮﻳﺗﺭ
ﺪﺍﻴﻠﻲ ﻤﻭﺷﻦ
ﺍﻹﺗﺣﺎﺪ ﺍﻹﺸﺗﺭﺍﻛﻲ
ﻟﻟﻘﻭﺍﺖ ﺍﻟﺷﻌﺒﻳﺔ
أكَادير